الحكاية الشعبية وتحولات السرد

في يوم الثلاثاء 7 أبريل/نيسان الجاري، أخفق مجلس الأمن الدولي في اعتماد مشروع قرار يدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز، بعد أن استخدمت روسيا والصين حق النقض ضد نص حظي بتأييد أحد عشر عضوا من أصل خمسة عشر.

وكانت البحرين قد قدمت المشروع نيابة عن تحالف خليجي يضم الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت، والأردن، بهدف تأكيد مبدأ بقاء المضيق مفتوحا أمام الملاحة الدولية. وامتنعت باكستان، وكولومبيا عن التصويت.

وبهذا المعنى، اختتم التصويت مسارا دبلوماسيا امتد طويلا، كما جسد، نمطا راسخا في عمل المجلس، يتمثل في عجز بنيوي عن الحسم حين تتعارض إرادة الأغلبية مع مصالح الدول المالكة حق النقض.

لقد أُغلق مضيق هرمز أمام معظم حركة الملاحة التجارية منذ اندلاع الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026. ويمنع الموقف الإيراني مرور السفن التابعة للولايات المتحدة أو إسرائيل أو حلفائهما، مع السماح بمرور سفن الدول الأخرى بعد التنسيق.

وقد أشارت طهران إلى نيتها فرض رسوم عبور فور انتهاء النزاع، فيما أعلنت البحرية الإيرانية أن المضيق دخل ما وصفته بـ”واقع جديد” لن يعود بعده إلى وضعه السابق.

ويمر عبر هذا الممر المائي نحو 11% من التجارة العالمية، وأكثر من ربع تجارة الخام المنقولة بحرا، ونحو 20 مليون برميل يوميا من النفط ومشتقاته، فضلا عن قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.

لذلك فإن إغلاقه يمثل شللا في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، يطال دولا بعيدة عن النزاع، ولا سيما الدول المستوردة للغذاء والطاقة في آسيا وأفريقيا.

ويبدو الإطار القانوني الحاكم للمضيق، في بعده التعاهدي، واضحا إلى حد بعيد. فالجزء الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ولا سيما المواد من 37 إلى 44، يكرس نظام المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وينص على عدم جواز إعاقة هذا المرور أو تعليقه.

إعلان
ولم ينشأ هذا النظام من فراغ؛ إذ أرست محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر عام 1949 في قضية قناة “كورفو” مبدأ مؤداه أن الدول لا تملك حق إعاقة المرور البريء عبر المضائق الدولية.

واستند الإطار اللاحق لاتفاقية قانون البحار إلى هذا المبدأ، ويعده كثير من فقهاء القانون الدولي قاعدة عرفية ملزمة، وإن ظل هذا التوصيف محل نقاش من حيث مدى استقرار ممارسة الدول والاعتقاد بالإلزام على نحو يكفي لتأسيس إلزام عرفي كامل في مواجهة الدول غير الأطراف.

وهنا تكمن المعضلة التي حضرت، صراحة أو ضمنا، في خلفية التصويت؛ فإيران ليست طرفا في اتفاقية قانون البحار، إذ امتنعت عن التصديق عليها، وهو ما أوجد ثغرة في الالتزام التعاهدي المباشر استندت إليها في تبرير موقفها.

فهي لا تنازع في وجود نظام المرور العابر من حيث المبدأ، لكنها تنازع في انطباق المعاهدة عليها. وبدلا من ذلك، تستند إلى حق الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وإلى قوانين الحرب البحرية التي تجيز للدول المتحاربة تقييد الوصول إلى المياه الواقعة ضمن منطقة العمليات.

غير أن تصوير هذا الإغلاق الانتقائي بوصفه أثرا ملازما للنزاع المسلح يظل محل طعن بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لأن تبعاته تقع بصورة غير متناسبة على دول محايدة لا صلة لها بالأعمال العدائية.

ومن ثم، لم يكن السؤال القانوني المطروح في خلفية التصويت ما إذا كان حق المرور العابر قائما، بل ما إذا كان وضع إيران كدولة غير منضمة إلى الاتفاقية، واستنادها إلى حقوق المحاربين، ينشئ استثناء قانونيا معترفا به، وما إذا كان هذا الاستثناء يمكن أن يصمد حين يكون المتضررون الرئيسيون جهات تجارية محايدة لا أطراف النزاع ذاتها.

التصويت بوصفه لحظة كاشفة

تكمن أهمية تصويت 7 أبريل/نيسان في أنه كشف بوضوح حدود ما يستطيع مجلس الأمن قوله، لا ما يستطيع فعله فقط. فالمشروع الذي عرض للتصويت لم يكن في صيغته النهائية مشروعا إنفاذيا صريحا، بل نصا جرى تقليصه تدريجيا لتوسيع فرص تمريره.

فقد استندت نسخ سابقة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتضمنت تفويضا باستخدام القوة لضمان حرية المرور، إلا أن روسيا والصين رفضتا تلك الصيغ.

وعندما طرح النص النهائي، كان قد جرد من أي إشارة إلى الفصل السابع، وتحول إلى وثيقة إعلانية تؤكد الالتزام القانوني بفتح المضيق، دون أن تقترن بآليات إنفاذ عملية. ومع ذلك، لم ينجح هذا التخفيف في كسر الاعتراض، فسقط المشروع بالفيتو ذاته.

وهذا يعني أن الاعتراض لم يكن موجها إلى أداة الإنفاذ المقترحة فحسب، بل إلى فكرة اتخاذ مجلس الأمن موقفا جماعيا أصلا من أزمة هرمز.

فحتى بعد تجريد النص من أي أثر قسري مباشر، بقي مرفوضا من جانب موسكو وبكين. ومن هذه الزاوية، بدا التصويت كاشفا لحدود الشرعية التي تسمح بها الدولتان للمجلس في هذا الملف: ليس فقط منع التفويض، بل أيضا منع تثبيت موقف مؤسسي واضح يؤكد قاعدة قانونية قائمة.

وتزداد دلالة هذا الإخفاق وضوحا إذا قورن بما حدث في 10 مارس/آذار، حين اعتمد المجلس القرار (2817) لعام 2026 الذي يدين هجمات إيران على جيرانها الإقليميين، بينما فشل مشروع روسي منافس بشأن أزمة المرور في الدورة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top